زهور الحر.. رحيل رائدة في القضاء المغربي ومسيرة خالدة في الدفاع عن الحقوق

زهور الحر.. رحيل رائدة في القضاء المغربي ومسيرة خالدة في الدفاع عن الحقوق
زهور الحر.. رحيل رائدة في القضاء المغربي ومسيرة خالدة في الدفاع عن الحقوق

لم يكن رحيل القاضية والمحامية المغربية زهور الحر، صباح الجمعة 16 أكتوبر 2026، مجرد خبر عن وفاة شخصية قضائية عن عمر ناهز 79 عاماً، بل شكل لحظة لاستحضار مسيرة امرأة جعلت من العدالة رسالة، ومن الدفاع عن حقوق النساء والأطفال والأسرة المغربية قضية امتدت آثارها إلى مختلف المجالات القضائية والحقوقية والاجتماعية.

برحيلها، يغيب اسم بارز من أسماء القضاء المغربي، لكن بصمتها تظل حاضرة في المؤسسات التي اشتغلت بها، وفي المسارات التي مهدتها أمام النساء، وفي النقاشات التي ساهمت في إغنائها بشأن العدالة الأسرية وحماية الحقوق وصون كرامة الإنسان.

وُلدت الراحلة بمدينة الدار البيضاء سنة 1947، والتحقت بسلك القضاء سنة 1979، عندما عُينت قاضية بالمحكمة الابتدائية بالجديدة. وشكلت هذه الخطوة بداية مسار مهني متميز، آمنت خلاله بأن حضور المرأة داخل منظومة العدالة لا ينبغي أن يقتصر على تولي المناصب، بل يجب أن يمتد إلى الإسهام في تطوير الممارسة القضائية وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص.

وبفضل تجربتها واجتهادها، تمكنت زهور الحر من تحقيق محطات بارزة في تاريخ القضاء المغربي، إذ أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة قسم قضاء الأسرة بالمغرب، كما اضطلعت بمهام قضائية بمحكمة النقض، المعروفة سابقاً بالمجلس الأعلى.

وخلال سنوات عملها، راكمت الراحلة تجربة مهنية جعلت من القانون وسيلة لتحقيق الإنصاف، وليس مجرد نصوص وإجراءات، ومن القضاء مسؤولية إنسانية وأخلاقية تتطلب التوفيق بين تطبيق القانون واحترام كرامة الأفراد وحماية حقوقهم.

واحتلت قضايا الأسرة مكانة محورية في مسيرتها، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالحياة اليومية للمواطنين، وما تطرحه من تحديات تتعلق بحقوق النساء والأطفال، واستقرار العلاقات الأسرية، وتسوية النزاعات وفق مبادئ العدل والإنصاف.

ومن هذا المنطلق، شاركت زهور الحر في اللجنة الملكية الاستشارية لإصلاح مدونة الأسرة، خلال مرحلة شهد فيها المغرب نقاشاً واسعاً بشأن تطوير التشريعات المنظمة للعلاقات الأسرية وتعزيز حقوق المرأة والطفل. وقد ارتبط مسارها المهني بالدفاع عن مقاربة تجعل إصلاح العدالة الأسرية متجاوزاً للتعديلات القانونية، نحو ترسيخ ثقافة مجتمعية قائمة على احترام الحقوق وتغيير العقليات.

ولم تقتصر مساهماتها على العمل القضائي، بل امتدت إلى المجال الإعلامي والتواصلي، حيث حرصت على تقريب المعرفة القانونية من المواطنين وتبسيط القضايا التي تشغل الأسر المغربية.

وفي هذا السياق، شاركت لسنوات في البرنامج الإذاعي «الصلح خير»، الذي كانت تبثه إذاعة «راديو أصوات»، حيث ساهمت في مناقشة قضايا قانونية واجتماعية مرتبطة بالحياة الأسرية، والتعريف بأهمية الحوار والوساطة والصلح في معالجة الخلافات والبحث عن حلول تحفظ الحقوق وتحد من تفاقم النزاعات.

كما عملت في مجال التدريس القانوني، ناقلة خبرتها المهنية إلى الأجيال الجديدة، ومساهمة في تكوين كفاءات قادرة على تحمل مسؤولية الممارسة القانونية والقضائية. فقد آمنت بأن بناء منظومة عدالة أكثر إنصافاً لا يبدأ داخل المحاكم وحدها، بل ينطلق أيضاً من المؤسسات التعليمية التي يتشكل فيها وعي المهنيين بمبادئ القانون وأخلاقيات المهنة.

وهكذا، جمعت تجربة زهور الحر بين القضاء والتعليم والإعلام، ضمن مسار ظل محوره الأساسي تقريب القانون من المجتمع، وتعزيز الوعي بالحقوق، وجعل العدالة أكثر استجابة لانتظارات المواطنين، ولا سيما الفئات التي تحتاج إلى حماية خاصة.

ولم تكن ريادتها مجرد صفة ارتبطت باسمها، بل تجسدت في مسار مهني فتح آفاقاً جديدة أمام المرأة المغربية داخل المؤسسات القضائية، وأكد أن الكفاءة والاجتهاد والمثابرة قادرة على تجاوز الحواجز التقليدية وإحداث تحولات ملموسة في مجالات ظلت لسنوات طويلة محدودة الحضور النسائي.

وبرحيلها، يستعيد المغرب سيرة امرأة أسهمت في مسار تطوير العدالة الأسرية، وشاركت في النقاش الحقوقي المتعلق بمكانة المرأة والطفل داخل المجتمع، وتركت تجربة تعكس أهمية حضور النساء في مواقع المسؤولية وصناعة التحولات القانونية والاجتماعية.

إن حصيلة مسيرة زهور الحر لا تختزل في المناصب التي تولتها، ولا في المحطات المهنية التي بصمتها، بل تتجلى أيضاً في الأفكار التي دافعت عنها، وفي مساهماتها في نشر الثقافة القانونية، وفي النموذج الذي قدمته لأجيال من النساء الطامحات إلى الإسهام في خدمة العدالة والمجتمع.

رحلت زهور الحر، لكن أثر الرواد لا ينتهي بغيابهم، إذ تظل تجاربهم جزءاً من الذاكرة المؤسساتية والوطنية، وشاهداً على التحولات التي ساهموا في تحقيقها. وستبقى مسيرتها حاضرة في تاريخ القضاء المغربي، باعتبارها تجربة جمعت بين الريادة المهنية والانشغال بقضايا الأسرة والدفاع عن الحقوق.

سلام على امرأة جعلت من القانون رسالتها، ومن العدالة مسؤوليتها، ومن قضايا النساء والأطفال والأسرة محوراً أساسياً في مسارها. وسلام على اسم سيظل حاضراً كلما استعاد المغاربة سيرة النساء اللواتي أسهمن في فتح آفاق جديدة أمام المرأة المغربية داخل محراب القضاء وخارجه.

مباشر شدى FM
البث المباشر • 105.7 MHz
شدى TV • مباشر